القاضي عبد الجبار الهمذاني

340

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الّذي ذكرناه ، وإن لم تنقل المعارضة ؛ فكان كما نقل ، استقامة حاله ، واليسير مما كان يلحق أمره من الاضطراب عند الحروب وغيرها ، كان ينقل ما لحقه ، ولحق أصحابه من تأثير المعارضة ؛ فإذا لم ينقل ذلك فليس إلا لأنه لم يكن ؛ وهذا يقتضي نقض عادة ، وإن كان ذلك ثم لم ينقل ، فهو نقض عادة ثانية ؛ فلو سلمنا كون المعارضة لم تمنع من صحة نبوته صلى اللّه عليه ، بالوجه الّذي ذكرناه . وبعد . . فإن العادة لم تجر ، والأحوال ما ذكرناه ، أن تنقل المعارضة الركيكة ، ولا ينقل الأمر الصحيح ، لأن ما يصرف عن نقل الصحيح من ذلك ، من المخافة وغيرها موجود ، في الفاسد منه ؛ فإن كان قد وقع الصحيحة منه ، كوقوع الفاسد ، ثم لم ينقل ، والحال ما ذكرناه ، ونقل الفاسد ، فهذا نقض لعادة الناس ، فيما تنقل ، ولا تنقل من الأمور ؛ لأنه بمنزلة أن يتفق على العالم حادثة ، تبهر العقول ، كانشقاق القمر والشمس ، في حال ظهورهما للناس ، ثم لا ينقل ذلك أصلا ، وينقل انقضاض النجوم ؛ ومثل ذلك لو صح لوجب كونه معجزا . وبعد . . فإن العادة لم تجر بأن لا يظهر الفاضل فضله ، عند التنافس والتقريع ، ومتى كف بعض الفضلاء عن ذلك لم يتأس به غيره من أهل الفضل ، لأن الدواعي في ذلك تصرف الأفاضل عن التأسي ، وتبعث على المباينة ، في إظهار الفضيلة ، ولولا صحة هذه الطريقة لم تكن تظهر فضائل الناس في علومهم ، وغيرها ، فإن كان من تقدم قد عارض ، ولم ينقل ، حتى تصير المعارضة كأنها لم تقع ، أو لم يعارض لبعض الأغراض ، فقد كان يجب لمن في الزمان والوقت أن يأتي بذلك ، وتكون دواعيه إليه أقوى ؛ لأن فضله يصير أظهر منه لو كان ممن تقدم قد عارض ، ونقلت المعارضة له ؛ فقعود المتقدمين ، عصرا بعد عصر ، عن معارضة القرآن ، والحال ما قلناه ، يجرى مجرى نقض عادة ، فإذا اتصل ذلك